أحمد بن محمد القسطلاني

371

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

منبئ عن إحماده صبر يوسف وتركه الاستعجال بالخروج عن السجن مع امتداد مدة الحبس عليه . وروى ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعًا : " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها : { اذكرني عند ربك ما لبث في السجن } [ يوسف : 43 ] " . 3388 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : " سَأَلْتُ أُمَّ رُومَانَ وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ لمَّا قِيلَ فِيهَا مَا قِيلَ قَالَتْ : بَيْنَمَا أَنَا مَعَ عَائِشَةَ جَالِسَتَانِ ، إِذْ وَلَجَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَهْيَ تَقُولُ : فَعَلَ اللَّهُ بِفُلاَنٍ وَفَعَلَ . قَالَتْ : فَقُلْتُ : لِمَ ؟ قَالَتْ : إِنَّهُ نَمَا ذِكْرَ الْحَدِيثِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَيُّ حَدِيثٍ ؟ فَأَخْبَرَتْهَا . قَالَتْ : فَسَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا ، فَمَا أَفَاقَتْ إِلاَّ وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ . فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا لِهَذِهِ ؟ قُلْتُ : حُمَّى أَخَذَتْهَا مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ . فَقَعَدَتْ فَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لاَ تُصَدِّقُونِي ، وَلَئِنِ اعْتَذَرْتُ لاَ تَعْذِرُونِي ، فَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ ، { وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } . فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا أَنْزَلَ ، فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ : بِحَمْدِ اللَّهِ لاَ بِحَمْدِ أَحَدٍ " . [ الحديث 3388 - أطرافه في : 4143 ، 4691 ، 4751 ] . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن سلام ) البيكندي قال : ( أخبرنا ابن فضيل ) محمد وجده غزوان الكوفي قال : ( حدّثنا حصين ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرًا ابن عبد الرحمن ( عن شقيق ) أبي وائل هو ابن سلمة وفي الفرع وأصله عن سفيان ( عن مسروق ) هو ابن الأجدع أنه ( قال : سألت أم رومان ) بضم الراء بنت عامر ( وهي أم عائشة ) أم المؤمنين - رضي الله عنهما - ، وقد قيل إن مسروقًا لم يسمع من أم رومان لتقدم وفاتها فيكون حديثه منقطعًا ، وقال أبو نعيم : بقيت بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دهرًا طويلاً . وحينئذٍ فالحديث متصل وهو الراجح . وقول عليّ بن زيد بن جدعان الراوي أن وفاة أم رومان سنة ست ضعيف لا يحتج به ، وقول الخطيب الصواب أن يقرأ سئلت أم رومان مبنيًّا للمفعول مردود بقول مسروق في المغازي حدّثتني أم رومان ( عما ) ولأبي ذر عن الكشميهني لما ( قيل فيها ) أي في عائشة ( ما قيل ) من الإفك ( قالت : بينما ) بالميم ( أنا مع عائشة جالستان إذ ولجت ) أي دخلت ( علينا امرأة من الأنصار ) لم تسم ( وهي تقول : فعل الله بفلان ) مسطح بن أثاثة ( وفعل . قالت ) أم رومان : ( فقلت ) للأنصارية ( لم ) ؟ تقولين فعل الله بفلان وفعل ( قالت إنه نمى ذكر الحديث ) أي حديث الإفك ونمى بتخفيف الميم في الفرع ونسبه في المطالع لأبي ذر : وقال الحربي وغيره مشدد وأكثر المحدّثنين يخففونه يقال نميت الحديث أنمية إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد . ( فقالت عائشة : أيّ حديث ) ؟ نماه قالت أم رومان ( فأخبرتها ) بقول أهل الإفك ( قالت : فسمعه أبو بكر ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت ) أم رومان : ( نعم ) . سمعاه ( فخرّت ) عائشة ( مغشيًا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض ) ، أي ملتبسة بارتعاد ( فجاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال ) : ( ما لهذه ) ؟ يعني عائشة قالت أم رومان ( قلت : حمى أخذتها من أجل حديث تحدث ) بضم الفوقية والحاء المهملة مبنيًّا للمفعول ( به ) عنها ( فقعدت ) عائشة ( فقالت : والله لئن حلفت ) لكم إني لم أفعل ما قيل ( لا تصدقوني ) ولأبي ذر لا تصدقونني ( ولئن اعتذرت لا تعذروني ) ولأبي ذر لا تعذرونني ( فمثلي ومثلكم ) أي صفتي وصفتكم ( كمثل يعقوب وبنيه ) حيث صبر صبرًا جميلاً وقال : ( والله المستعان على ما تصفون ) أي على احتمال ما تصفونه ، ( فانصرف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل الله ) عز وجل ( ما أنزل ) في براءتها ( فأخبرها ) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك ( فقالت : بحمد الله لا بحمد أحد ) قال بعض أصحاب عبد الله بن المبارك له : أنا أستعظم هذا القول . فقال : ولت الحمد أهله ذكره في المصابيح ، ولعلها تمسكت بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لها : " احمدي الله " كما في الرواية الأخرى ففهمت منه أنه أمرها بإفراد الله بالحمد . 3389 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : " أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرَأَيْتِ قَوْلِ اللهِ : { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا } أَوْ كُذِبُوا ؟ قَالَتْ : بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ . فَقَالَتْ : يَا عُرَيَّةُ ، لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ . قُلْتُ : فَلَعَلَّهَا " أَوْ كُذِبُوا " . قَالَتْ : مَعَاذَ اللَّهِ ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا ، وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ : هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلاَءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَتْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ " . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : { اسْتَيْأَسُوا } اسْتَفْعَلُوا مِنْ يَئِسْتُ ، { مِنْهُ } مِنْ يُوسُفَ { لاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ } مَعْنَاهُ مِنَ الرَّجَاءُ . [ الحديث 3389 - أطرافه في : 4525 ، 4695 ، 4696 ] . وبه قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ( عن عقيل ) بضم العين وفتح القاف ابن خالد ( عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري أنه ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( عروة ) بن الزبير ( أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فقال لها ( أرأيت قوله ) تعالى أي أخبريني عن قوله ولأبي ذر قول الله ( { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } ) [ يوسف : 110 ] بالتشديد ( أو كذبوا ) بالتخفيف ( قالت ) : عائشة ليس الظن على بابه كما فهمت ( بل كذبهم قومهم ) ، بالتشديد فهو بمعنى اليقين وهو سائغ كما في قوله تعالى : { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } [ التوبة : 118 ] وقال عروة : ( فقلت ) لها : ( والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم ) وفي نسخة الصغاني قد كذبوهم ( وما هو بالظن : فقالت ) عائشة رادّة عليه : ( يا عرية ) بضم العين وفتح الراء المهملة وتشديد المثناة التحتية تصغير عروة وأصله يا عريوة اجتمعت الياء والواو وسبق الأول